صالح مهدي هاشم
148
المشهد الفلسفي في القرن السابع الهجري
وفي القاهرة يبدو ان الآمدي قد ودع وإلى الأبد مرحلة بغداد التعليمية ، مرحلة لتلقي من الشيوخ العظام ، فتخرج وصار شيخا مرموقا من شيوخ مصر ، وأستاذا محنكا للعلوم الكلامية والفلسفية والمنطقية والجدل ، ونحو ذلك من علوم ، على مدى ثلاثة وعشرين عاما . . . اشتهر بمصر فضله ( ( واشتغل عليه الناس وانتفعوا به ) ) « 1 » وهو دليل الذكاء النادر والايمان العميق بأفكاره وبسعة معارفه . . كان ألأمدي رفيع المستوى ، عالي المقام ، يتضح ذلك من سياق نشاطه الفكري . . نجده قد استنفذ طاقته كاملة في تحديد موقفه من الفقهاء ، الذي تجلى قويا في كتابه ( ( الاحكام في أصول الاحكام ) ) الذي أودع فيه كل عبقريته في علوم الأصول ، تماما كما كان بالنسبة لعلم الكلام ، عندما الف كتابه ( ابكار الافكار ) وفي الفلسفة عندما كتب ( ( دقائق الحقائق ) « 2 » . . . وهذه الكتب القمم وشقيقاتها التي تزيد على العشرين ، بدلا من أن تكون لهذا الرجل صدقة جارية ، أدخلته في محنة ، وشدت اعصابه وكادت ان تذهب به وتخنق أنفاسه ، بعد ان اخذ الحسد والتعصب الأعمى من بعض أصحاب العقول المنغلقة ، مآخذه ، فعملوا على تأليب العامة عليه ، وحث الحكام على معاقبته ، يوم نسب هؤلاء إلى الآمدي ( فساد العقيدة ) ، وانحلال الطوبة ، والتعطيل ، ومذهب الفلاسفة والحكماء ، وكتبوا محضرا يتضمن ذلك ، ووضعوا فيه خطوطهم بما يستباح به الدم « 3 » . . . وهو منه بريء ولا شك . .
--> ( 1 ) ابن خلكان ، وفيات الأعيان ، ج 3 ص 293 ( 2 ) الأعسم ، د . عبد الأمير ، المصطلح الفلسفي عند العرب ، ص 101 ( 3 ) ابن خلكان ، المصدر السابق ، ج 3 ص 293 - 294